السياسة الدولية

رغد صدام حسين وتساؤلات حول النظام العربي الرسمي

رغم الطبيعة الإنسانية للمقابلة التي بثتها فضائية العربية مع رغد بنت الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، إلّا أنها قوبلت بردود فعل متباينة من قبل العراقيين والكثير من الأوساط السياسية العربية بمرجعيات سياسية مرتبطة بالسياقات واللحظة السياسية الراهنة، وخاصّة التي يشهدها العراق بعد 18 عاماً من الاحتلالين؛ الأمريكي والإيراني للعراق، وتمدّد إيران وما تعلنه حول سيطرتها على 4 عواصم عربية “بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء”.

فعلى صعيد الشارع العراقي، أثارت المقابلة المكوّن السياسي الشيعي الذي يعيش حالة اضطراب غير مسبوقة على خلفية تنازع ولاءات بين أمريكا وإيران، وبين تحقيق هدف الدولة الوطنية العراقية المستقلة، وما يتبع ذلك من بقاء العراق في فضائه العربي أو استمرار ارتباطه بإيران.

“مضامين المقابلة”، رغم أنه محكوم عليها قبل بثها لارتباط رغد باسم صدام حسين، شكّلت قاسماً مشتركاً وعنواناً وورقة للأحزاب الشيعية للتحذير من عودة “البعث الصدّامي التكفيري”، في الوقت الذي لم تعد فيه تلك المقولة تقنع السواد الأعظم من العراقيين الذين ينتفضون في مناطق يُفترض أنها موالية لولاية الفقيه والمرشد الأعلى للثورة الإسلامية ووكلائه بالعراق، وبالتزامن لم تثر المقابلة أوساط السنّة في العراق، الحاضنة المفترضة لرغد صدام حسين. أمّا على الصعيد العربي، فقد قوبل ظهور رغد مجدداً باستحسان لدى فئات غير قليلة في أوساط الرأي العام العربي، من المؤيدين للرئيس الراحل صدام، خاصّة بعد الاحتلالات الإيرانية وتدخلها في كثير من الدول العربية.

ورغم تحليلات تذهب إلى أنّ التزامن بين ظهور رغد والإعلانات الأمريكية عن بدء مفاوضات مع إيران لإعادة صياغة اتفاق نووي جديد بوساطة الدول الأوروبية، وأنها رسالة تهديد لإيران ووكلائها في العراق بأنّ هناك بدائل لإعادة الحكم إلى ما كان عليه قبل عام 2003، خاصّة أنه تزامن مع تسريبات حول خيارات لانقلاب عسكري في العراق يقوده قادة من الجيش العراقي “السابق”، إلّا أنّ اختيار رغد لتمرير تلك الرسالة، بافتراض صحته، يطرح تساؤلات حول مدى جدّيته، ودلالاته التي تستهدف إثارة الرعب في أوساط المكوّن الشيعي.

وبعيداً عن الحسابات العراقية “المعقدة” حول إمكانية ترشّح رغد لانتخابات عراقية، إلّا أنّ مجرّد ظهورها يطرح تساؤلات حول أزمة النظام العربي الرسمي وخياراته، بما فيها مرحلة ما بعد “الربيع العربي”، رغم أنّ العراق خارج هذا “الربيع” الذي بدأ بتونس؛ لأنّ إعادة إنتاج حضور رغد غير معزول عن استمرار حضور أبناء الزعماء العرب السابقين، للعودة لتولي مناصب آبائهم، فأحمد علي عبد الله صالح، ابن الرئيس اليمني السابق، ما يزال حاضراً في المشهد اليمني بوصفه الرئيس الأنسب لليمن، وسيف القذافي ما زال يُطرح لرئاسة ليبيا، وكان التوريث، إضافة إلى أسباب أخرى، من الأسباب التي أطاحت بالرئيس المصري “مبارك”، وبالرئيس الجزائري “بوتفليقة”، ولم ينجح هذا التوريث إلّا في سورية بتولي بشار الأسد الحكم بعد والده.

ربما تطرح مقاربة إعادة إنتاج رغد العديد من التساؤلات على مستوى مستقبل النظام العربي، أوّلها: ما ذكره المفكر المصري “إبراهيم سعد الدين”، بعد تسلم بشار الأسد الحكم، أنّ النظام العربي الجديد يتراوح ما بين الملكية و”الجملوكية”، فإذا كان التوريث مفهوماً في النظم الملكية، فإنّ الرؤساء العرب تحوّلوا إلى ملوك، ولعلّ توصيف الرئيس القذافي لنفسه عكس مفهوم الجملوكية، حينما وصف نفسه بـ”ملك ملوك أفريقيا”، وثانياً: هل تمكّن “الربيع العربي” من تقديم نموذج بديل للأنظمة التي أطيح بها؟ بما فيها تونس ومصر والسودان واليمن، وقبلها العراق؟ وهل حقاً ما زالت الشعوب العربية قاصرة عن إنتاج نظم سياسية تتوافق مع التحوّلات العميقة التي يشهدها العالم، وتطرح تساؤلات حول كيفية تعزيز الديمقراطية العربية؟ وهل المراد من كلّ ذلك القول إنّه ليس أمام غالبية الشعوب العربية إلّا القبول بأنظمتها، بوصفها “أقداراً مقدّرة”، أو الفوضى والدم؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى