ادب وسياسة

بكائية على اللغة العربية ام احتفالية بها؟

أدرك انه لم يكن مناسبا ان ترى مثل هذه المقالة النور قبل ايام، اذ ليس من الحكمة في شيء اعتراض “فاردة” في عرس بهيج،لتقول للمحتفلين إنكم تخالفون قواعد السير. اما وقد انفض السامر وتلك الاحتفالية بالذكرى ما بين” بكائيات ولطميات” على لغة الضاد التي ضيعنا، او ضيعت منا بفعل فاعلين مجهولين معلومين، وما بين الاحتفال بهذه اللغة التي تماثل الاحتفالات بصمودها وثباتها”بوجه الأعداء” تلك الاحتفالات بانتصارات “خسرنا معركة لكننا لم نخسر الحرب”، وبمرجعية عقل “بارد” نسرد محطات بهذه المناسبة، دفعت بها تأملات محب للغة من احد أبنائها:

اولا: ان تلك البكائية واللطمية بحاجة لفحص من خبراء منصفين،في اسبابها وما يطرح خلالها، فقد أصبحت مكررة سرعان ما تنتهي بانتهاء يوم الاحتفال، وهي تفتح الباب على مصراعيه لجملة تساؤلات، من بينها هل نحن نبكي / نتباكى على اللغة العربية ام نبكي على شيء آخر حمل اللغة وحملته؟ وهل فعلا هناك خطر محيق باللغة العربية ،ومن القائم على هذا الخطر؟ فاذا كانت هذه اللغة مرتبطة بالقران الكريم “انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون” واذا كانت الحكومات العربية ومؤسساتها تستخدم اللغة العربية “السليمة” فمن اين يأتي الخطر؟

ثانيا:لاسباب ربما بعضها معروف يتجنب كثير من رموز اللغويات واللسانيات العربية الخوض في قضية قداسة اللغة العربية بوصفها لغة القران الكريم، وفيما اذا كانت تاويلات تلك القداسة سببا في جمود اللغة العربية، رغم ان اصحاب “المعجميات” العربية يدركون ما يعرف بالتطور الدلالي للالفاظ، وان اللغة ابنة سياقات اجتماعات وثقافية،ثم ان الاصرار على قداسة اللغة يعني ان كل اللغات مقدسة، لانه ما من كتاب مقدس لاية ديانة “سماوية او غير سماوية” الا وكتب ب”لغة”، فهل نجترح مفهوما جديدا يذهب الى قداسة المعنى؟

ثالثا: وفيما يبدو انه هروب من ملامسة محذورات الغوص في قضية اللغة والمقدس، يذهب اهل الاختصاص الى الى قضايا اخرى “ظاهراتية” في السلوك اللغوي ،من بينها: الازدواجية بين الفصيحة والعاميات والثنائية اللغوية بين استخدام لغتين كالانجليزية والفرنسية في كندا،وعلى ارضية  رفضهما، دون تقديم حلول بديلة،ويضيفون اليها قضية اخرى وهي اللغة والهوية،متناسين ان  معايير تحديد الهوية لم تعد مرتبطة باللغة وحدها،وتتم معالجة تلك القضايا بخطابات تنهل من قواميس معلبة لا تراعي حتى دلالة الالفاظ في التفسير والتبرير، تستعير من المعلقات وبليغ الخطابة والبيان، التي لا تتوافق مع سياقات اللحظة في بعديها الزماني والمكاني، فتزيد الطين بلة بتوسيع الفجوة بين الماضي والحاضر.

رابعا: لا جدال ان هناك مشكلة وليس خطرا يواجه اللغة العربية، فما تعيشه اللغة العربية اليوم، تعيشه كافة اللغات في الشرق والغرب، وهو ما يجعل تهمة الاستهداف من هذا الطرف او تلك الجهة للغتنا موضع تساؤل، ويطرح تساؤلا لماذا نشعر نحن بالأزمة في الوقت الذي أقدم الآخرون على إيجاد حلول لها، فقواميسهم مفتوحة، يضيفون إليها ما استجد من ألفاظ ومعانيها كل عشرين سنة،فيما تحولت قواميسنا الى كتب مقدسة.

ان حيوية اللغة العربية وقدرتها على التكيف تتجلى في نحت الالفاظ والمعاني الدالة على كل عصر، لا تنتظر رخصا من اي احد، وهو ما يبرز بوضوح ذلك القصور عند اهل الاختصاص في تقديم الحلول الواقعية التي يمكن تنفيذها بيسر وسهولة،وليس وفقا لنموذج ” شاطر ومشطور وما بينهما كامخ” ولنعترف ان منشيء مواقع التواصل الاجتماعي ليس عربيا ولا صانع كل أدوات العصر، وهو من أطلق الأسماء عليها، ولما تأخر أهل الاختصاص في تقديم المرادف لها في اللغة العربية، اشتقت هي ونحتت ألفاظا معبرة عن كل جديد، في مختلف حقول المعرفة البشرية.

خامسا: مؤكد ان احتفالات العام القادم باليوم العالمي للغة العربية ستشهد الطروحات نفسها والبكائيات ذاتها، وبالمدونات نفسها “تتعرض لغتنا لخطر صنعه الأخر” ودون اية التفاتة للنظر الى دورنا نحن أهل اللغة وأصحابها،فيما ستكون مئات الألفاظ الجديدة قد دخلت في إطار التداول العملي، ولنا في كورونا ومعجمها عبرة لمن يعتبر، وستبقى قواميسنا مغلقة، وأبناؤنا يتعلمون دروس البلاغة والبيان والنحو والصرف العربي والبنيات اللغوية في لامية العرب في مدارسهم،في وقت أصبحت فيه المعاني خارج نصوصها في تواصليات جديدة قلبت ثلاثية”المرسل والرسالة والمستقبل”، ويعودون لبيوتهم يستخدمون لغات أخرى، من قاموس”العربيزي”،وستواصل مجامع اللغة العربية الشدو بإلحانها منفردة، ودون ان تشكل كلا متكاملا، تعكس فيما تعكس هذا التشظي السياسي والاجتماعي الذي نعيش.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى